مجمع البحوث الاسلامية

328

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

سببيّة ، أي يعملونه بسبب الجهالة ، لأنّ ارتكاب الذّنب ممّا يدعو إليه الجهل ، وليس المراد به عدم العلم بكونه سوء ، بل عدم التّفكّر في العاقبة ، كما يفعله الجاهل . ( 2 : 112 ) نحوه البروسويّ . ( 2 : 178 ) الآلوسيّ : [ اكتفى بنقل بعض أقوال السّابقين ] ( 4 : 238 ) المراغيّ : الجهالة : الجهل وتغلّب السّفه على النّفس عند ثورة الشّهوة ، أو سؤرة الغضب حتّى يذهب عنها الحلم وتنسى الحقّ ، وكلّ من عصى اللّه سمّي جاهلا وسمّي فعله جهالة ، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السّلام : أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يوسف : 33 ، وقال تعالى لنوح : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ هود : 46 ، وسرّ هذا أنّ العاصي لربّه لو استعمل ما معه من العلم بالثّواب والعقاب لما أقدم على المعصية ؛ إذ هو لا يرتكبها إلّا جاهلا بحقيقة الوعيد ، ومنتظرا لاحتمال العفو والمغفرة ، أو شفاعة الشّفعاء الّتي تصدّ عنه العقاب . ( 4 : 207 ) الطّباطبائيّ : وأمّا قوله تعالى : ( بجهالة ) فالجهل يقابل العلم بحسب الذّات ، غير أنّ النّاس لمّا شاهدوا من أنفسهم أنّهم يعملون كلّا من أعمالهم الجارية عن علم وإرادة ، وأنّ الإرادة إنّما تكون عن حبّ ما وشوق ما ، سواء كان الفعل ممّا ينبغي أن يفعل بحسب نظر العقلاء في المجتمع أو ممّا لا ينبغي أن يفعل . لكن من له عقل مميّز في المجتمع عندهم لا يقدم على السّيّئة المذمومة عند العقلاء ، فأذعنوا بأنّ من اقترف هذه السّيّئات المذمومة لهوى نفسانيّ وداعية شهويّة أو غضبيّة ، خفي عليه وجه العلم ، وغاب عنه عقله المميّز الحاكم في الحسن والقبيح والممدوح والمذموم ، وظهر عليه الهوى ، وعندئذ يسمّى حاله في علمه وإرادته ، « جهالة » في عرفهم وإن كان بالنّظر الدّقيق نوعا من العلم . لكن لمّا لم يؤثّر ما عنده من العلم بوجه قبح الفعل وذمّه في ردعه عن الوقوع في القبح والشّناعة ، ألحق بالعدم ، فكان هو جاهلا ، لغلبة الهوى وظهور العواطف والإحساسات النّيّئة على نفسه ، ولذلك أيضا تراهم لا يسمّون حال مقترف السّيّئات إذا لم ينفعل في اقتراف السّيّئة عن الهوى والعاطفة : جهالة ، بل يسمّونها عنادا وعمدا وغير ذلك . فتبيّن بذلك أنّ الجهالة في باب الأعمال : إتيان العمل عن الهوى ، وظهور الشّهوة والغضب من غير عناد مع الحقّ . ومن خواصّ هذا الفعل الصّادر عن جهالة أن إذا سكنت ثورة القوى وخمد لهيب الشّهوة أو الغضب باقتراف السّيّئة أو بحلول مانع ، أو بمرور زمان ، أو ضعف القوى بشيب أو مزاج ، عاد الإنسان إلى العلم وزالت الجهالة وبانت النّدامة ، بخلاف الفعل الصّادر عن عناد وتعمّد ، ونحو ذلك . فإنّ سبب صدوره لما لم يكن طغيان شيء من القوى والعواطف والأميال النّفسانيّة ، بل أمرا يسمّى عندهم بخبث الذّات ورداءة الفطرة ، لا يزول بزوال طغيان القوى والأميال سريعا أو بطيئا ، بل دام نوعا بدوام الحياة ، من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلّا أن يشاء اللّه . نعم ربّما يتّفق أن يرجع المعاند اللّجوج عن عناده